الشيخ عبد الغني النابلسي
416
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
الدنيا والآخرة كما قال تعالى : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ ( 171 ) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ( 172 ) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ ( 173 ) [ الصافات : 171 - 173 ] . وكذلك اتباع المرسلين عليهم السلام من ورثتهم الذين هم خاصة أممهم ملحقون بهم أيضا أهل دعوة إلى اللّه تعالى صحيحة مأمورا بها كما قال تعالى : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [ يوسف : 108 ] ، فلا يمكن رد دعواهم ولا إضاعتهم أصلا ، وإنما هم منصورون نافذ أمرهم ونهيهم على كل حال لقوله صلى اللّه عليه وسلم « فليبلغ الشاهد منكم الغائب » « 1 » . وقوله عليه السلام : « الشيخ في جماعته كالنبي في أمته » « 2 » ولكنهم كما يرثون الأنبياء في علومهم الإلهية وأحوالهم الكمالية يرثونهم أيضا في وقائعهم وقت التبليغ من تكذيب الناس لهم وأذيتهم والسخرية عليهم ، واللّه تعالى حافظهم وناصرهم على كل حال . والأنبياء الذين ليسوا بمرسلين لم يؤمروا بالتبليغ إلى الناس وإنما هم مأمورون بالعمل الصالح في أنفسهم والاستقامة عليه ونصح من تابعهم برضى خاطره وانقاد إليهم من الأمم ، فإذا خالفوهم وعصوهم فإنهم لم يؤمروا بمحاربتهم ولا قتالهم ولا التعرض لهم في شيء أصلا ولم يخبر تعالى أنه ناصرهم ولا حافظهم ممن كذبهم ، فلهذا قتل يحيى ونشر زكريا وكثير من بني إسرائيل عليهم السلام لتعرضهم للعصاة والكافرين وهم لا يؤمرون بذلك ، وخالد بن سنان عليه السلام كان كذلك فلهذا أضاعه قومه . فأراد ، أي خالد عليه السلام أن يحصل من هذه الرحمة الواسعة لجميع العالمين الكائنة في زمان الرسالة المحمدية إلى كافة البرية على حظ وافر ونصيب متكاثر حيث يكون ممهدا لقواعدها ومشيدا لأركانها قبل مجيء زمانها . وهذه كانت نيته وهي من أكبر الطاعات لكن لا خصوص إذن له بذلك من اللّه تعالى ، وإنما معه في ذلك الإذن العام بعمل الخير والطاعة فله ثواب ذلك ويحشر يوم القيامة على نيته وفعل طاعته . قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يبعث الناس على نياتهم » . رواه الإمام أحمد بن حنبل عن أبي هريرة رضي اللّه عنه « 3 » ولم يؤمر ، أي خالد عليه السلام بالتبليغ ، أي تبليغ ما أوحى اللّه تعالى إليه إلى قومه كما أمرت المرسلون عليهم السلام وورثتهم كما ذكرنا .
--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه . ( 2 ) هذا الحديث سبق تخريجه . ( 3 ) ورواه ابن ماجة في سننه ، باب النية ، حديث رقم ( 4229 ) [ 2 / 1414 ] . ورواه غيرهما .